محمد الريشهري
133
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
وقد روي أنّ السنة التي ولد فيها عليّ ( عليه السلام ) هي السنة التي بُدئ فيها برسالة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأُسمِع الهتاف من الأحجار والأشجار ، وكشف عن بصره ، فشاهد أنواراً وأشخاصاً ، ولم يخاطَب فيها بشيء . وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتّل والانقطاع والعزلة في جبل حِراء ، فلم يَزَل به حتى كوشف بالرسالة ، وأُنزل عليه الوحي . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يتيمّن بتلك السنة وبولادة عليّ ( عليه السلام ) فيها ، ويسمّيها سنة الخير وسنة البركة ، وقال لأهله ليلة ولادته ، وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهيّة ، ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئاً : " لقد وُلد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة " . وكان كما قال صلوات الله عليه ؛ فإنّه ( عليه السلام ) كان ناصره والمحامي عنه وكاشف الغمّاء عن وجهه ، وبسيفه ثَبت دين الإسلام ، ورست دعائمه ، وتمهّدت قواعده " ( 1 ) . ويقول الكاتب المسيحي الشهير جورج جرداق : " وإذا أسلم بعض الوجوه من قريش منذ أوّل الدعوة احتكاماً للعقل وتخلّصاً من الوثنيّة ؛ وإذا أسلم كثير من العبيد والأرقاء والمضطهدين طلباً للعدالة التي تتدفّق بها رسالة محمّد ، واستنكاراً للجور الذي يلهب ظهورهم بسياطه ؛ وإذا أسلم قوم بعد انتصار النبيّ امتثالاً للواقع وتزلّفاً للمنتصر كما هي الحال بالنسبة لأكثر الأمويّين ؛ إذا أسلم هؤلاء جميعاً في ظروف تتفاوت من حيث قيمتها ومعانيها الإنسانيّة ، وتتّحد في خضوعها للمنطق أو للواقع الراهن ، فإنّ عليّ بن أبي طالب قد ولد مسلماً ؛ لأنّه
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 4 / 114 .